فصل: مظاهرة الأشرف بن العادل للؤلؤ صاحب الموصل

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


 وفاة نور الدين صاحب الموصل وولاية ابنه القاهر

ثم توفي نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن الأتابك زنكي منتصف سنة سبع وستمائة لثمان عشرة سنة من ولايته وكان شهماً شجاعاً مهيباً عند أصحابه حسن السياسة لرعيته‏.‏ وجدد ملك آبائه بعد أن أشفى على الذهاب‏.‏ ولما احتضر عهد بالملك لإبنه عز الدين مسعود وهو ابن عشرين سنة وأوصاه أن يتولى تدبير ملكه مولاه بدر الدين لؤلؤ لما فيه من حسن السياسة‏.‏ وكان قائماً بأمره منذ توفي مجاهد الدين قايماز وأوصى لولده الأصغر عماد الدين بقلعة عقر الحميدية وقلعة شوش وولايتها ولفته إلى العقر‏.‏ فلما توفي نور الدين بايع الناس ابنه عز الدين مسعوداً ولقبوه القاهر واستقر ملك الموصل‏.‏ وأعمالها له وقام بدر الدين لؤلؤ بتدبير دولته والبقاء لله وحده‏.‏ لما توفي الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن الأتابك زنكي صاحب الموصل آخر ربيع الأول سنة خمس عشرة وخمسمائة لثمان سنين من ولايته بعد أن عهد بالملك لابنه الأكبر نور الدين أرسلان شاه وعمره عشرون سنة وجعل الوصي عليه والمدبر لدولته لؤلؤاً كما كان في دولة القاهر وابنه نور الدين فبايع له وقام بملكه‏.‏ وأرسل إلى الخليفة في التقليد والخلع على العادة فوصلت وبعث إلى الملوك في الأطراف في تجديد العهد كما كان بينهم وبين سلفه وضبط أموره‏.‏ وكان عمه نور الدين زنكي أرسلان شاه بقلعة عقر الحميدية لا يشك في مصير السلطان له عن ذلك واستقامت أموره وأحسن السيرة وسمع شكوى المتظلمين وأنصفهم ووصل في تقليد الخليفة لنور الدين اسناد التتر في أموره لبدر الدين لؤلؤ والله أعلم‏.‏

  استيلاء عماد الدين صاحب عقر على قلاع الهكارية والزوزان

كان عماد الدين زنكي قد ولاه أبوه قلعتي العقر والشوش قريباً من الموصل وأوصى له بهما وعهد بالملك لابنه الأكبر القاهر‏.‏ فلما توفي القاهر كما ذكرنا طمح زنكي إلى الملك وكان يحدث به نفسه فلم يحصل له‏.‏ وكان بالعمادية نائب من موالي جده مسعود فداخله في الطاعة له‏.‏ وشعر بذلك بدر الدين لؤلؤ فعزل ذلك النائب وبعث إليها أميراً أنزله بها وجعل فيها نائباً من قبله‏.‏ واستبد بالنواب في غيرها‏.‏ وكان نور الدين بن القاهر لا يزال عليلاً لضعف مزاجه وتوالي الأمراض عليه فبقي محتجباً طول المدة‏.‏ فأرسل زنكي إلى نور الدين بالعمادية يشيع موته ويقول أنا أحق بملك سلفي فتوهموا صدقه وقبضوا على نائب لؤلؤ ومن معه وسلموا البلد لعماد الدين زنكي منتصف رمضان سنة خمس عشرة‏.‏ وجهز لؤلؤ العساكر وحاصروه بالعمادية في فصل الشتاء وكلب البرد وتراكم الثلج ولم يتمكنوا من قتاله‏.‏ وظاهره مظفر الدين صاحب إربل على شأنه وذكر لؤلؤاً بالعهد الذي بينهما أن لا يتعرض لأعمال الموصل والنص فيها على قلاع الهكارية والزوزان مظاهر لهم على من يتعرض لها فلج في مظاهرته واعتمد نقض العهد وأقام العسكر محاصراً لزنكي بالعمادية‏.‏ وتقدموا بعض الليالي وركبوا الأوعار إليه فبرز إليهم أهل العمادية وهزموهم في المضايق والشعاب فعادوا إلى الموصل وأرسل عماد الدين قلاع نارية والزوزان في الطاعة له فأجابوه وملكها وولى عليها والله أعلم‏.‏

 مظاهرة الأشرف بن العادل للؤلؤ صاحب الموصل

ولما استولى عماد الدين زنكي على قلاع الهكارية والزوزان وظاهره مظفر الدين صاحب إربل خاف لؤلؤ غائلته فبعث بطاعته إلى الأشرف موسى بن العادل وقد ملك أكثر بلاد الجزيرة وخلاط وأعمالها ويسأله المعاضدة فأجابه‏.‏ وكان يومئذ يجلب في مدافعة كيكاوس صاحب بلاد الروم من أعمالها فأرسل إلى مظفر الدين بالنكير عليه فيما من نقضه العهد الذي كان بينهم جميعاً كما مر ويعزم عليه في إعادة ما أخذ من بلاد الموصل ويتوعده إن أصر على مظاهرة زنكي بقصد بلاده فلم يجب مظفر الدين إلى ذلك واستألف على أمره صاحب ماردين وناصر الدين محموداً صاحب كيفا وآمد فوافقوه وفارقوا طاعة الأشرف في ذلك فبعث الأشرف عساكره إلى نصيبين لانجاد لؤلؤ متى احتاج إليه والله تعالى أعلم‏.‏

 واقعة عساكر لؤلؤ بعماد الدين

ولما عاد عسكر الموصل عن حصار العمادية خرج زنكي إلى قلعة العقر ليتمكن من أعمال الموصل الصحراوية إذ كان قد فرغ من أعمالها الجبلية وأمده مظفر الدين صاحب إربل بالعساكر وعسكر جند الموصل على أربع فراسخ من البلد من ناحية العقر‏.‏ ثم اتفقوا على المسير إلى زنكي وصبحوه آخر المحرم سنة ست عشرة وستمائة وهزموه فلحق بإربل وعاد الرسل إلى مكانهم‏.‏ ووصل رسل الخليفة الناصر والأشرف ابن العادل في الصلح بينهما فاصطلحوا وتحالفوا والله تعالى أعلم‏.‏

 وفاة نور الدين صاحب الموصل وولاية أخيه ناصر الدين

لما توفي نور الدين أرسلان شاه بن الملك القاهر كما قدمنا من سوء مزاجه واختلاف الأسقام عليه فتوفي قبل كمال الحول‏.‏ ونصب لؤلؤ مكانه أخاه ناصر الدين محمد بن القاهر في سن الثلاث واستحلف له الجند وأركبه في الموكب فرضي به الناس لما أبلوا من عجز أخيه عن الركوب لمرضه والله تعالى ولي التوفيق‏.‏ هزيمة لؤلؤ صاحب الموصل من مظفر الدين صاحب إربل ولما توفي نور الدين ونصب لؤلؤ أخاه ناصر الدين محمداً على صغر سنه تجدد الطمع لعماد الدين عمه ولمظفر الدين صاحب إربل في الاستيلاء على الموصل وتجهزوا لذلك‏.‏ وعاثت سراياه في نواحي الموصل‏.‏ وكذا لؤلؤ قد بعث ابنه الأكبر في العساكر نجدة للملك الأشرف وهو يقصد بلاد الإفرنج بالسواحل ليأخذ بحجزتهم عن إمداد إخوانهم بدمياط عن أبيه الكامل بمصر فبادر لؤلؤ إلى عسكر الأشرف الذين ينصيبين واستدعاهم فجاؤوا إلى الموصل منتصف سنة عشر وستمائة وعليهم أيبك مولى الأشرف فاستقلهم لؤلؤ ورآهم مثل عسكره الذين بالشام ودونهم‏.‏ وألح أيبك على عبور دجلة إلى إربل فمنعه أياماً فلما أصر عبر لؤلؤ معه ونزلوا على فرسخين من الموصل شرقي دجلة وجمع مظفر الدين زنكي وعبروا الزاب وتقدم إليهم أيبك في سكره وأصحاب لؤلؤ وسار منتصف الليل من رجب وأشار عليه لؤلؤ بانتظار الصباح فلم يفعل ولقيهم بالليل‏.‏ وحمل أيبك على زنكي في الميسرة فهزمه‏.‏ وانهزمت ميسرة لؤلؤ فبقي في نفر قليل فتقدم إليه مظفر الدين فهزمه وعبر دجلة إلى الموصل‏.‏ وظهر مظهر الدين على تبريز ثلاثاً‏.‏ لؤلؤاً يريد تبييته فأجفل راجعاً وترددت الرسل بينهما فاصطلحا على أن يبقى لكل ما بيده والله أعلم‏.‏

 وفاة صاحب سنجار وولاية ابنه

ثم مقتله وولاية أخيه ثم توفي قطب الدين محمد بن زنكي بن مودود بن الأتابك زنكي صاحب سنجار في ثامن صفر سنة ست عشرة وستمائة وكان حسن السيرة مسلماً إلى نوابه‏.‏ وملك بعده ابنه عماد الدين شاهين شاه واشتمل الناس عليه شهوراً‏.‏ ثم سار إلى تل أعفر فاغتاله أخوه عمر دخل إليه في جماعة فقتلوه وملك بعده‏.‏ وبقي مدة إلى أن تسلم الأشرف بن العادل مدينة سنجار في جمادى سنة سبع عشر وستمائة والله أعلم‏.‏

  استيلاء عماد الدين على قلعة كواشي ولؤلؤ على تل أعفر والأشرف على سنجار

كانت كواشي من أحسن قلاع الموصل وأمنعه وأعلاه ولما رأى الجند الذين بها بعد أهل العمادية واستبدادهم بأنفسهم طمعوا في مثل ذلك وأخرجوا نواب لؤلؤ عنهم وتمسكوا بإظهار الطاعة على البعد خوفاً على رهائنهم بالموصل‏.‏ ثم استدعوا عماد الدين زنكي وسلموا له القلعة وأقام عندهم وبعث لؤلؤ إلى مظفر الدين يذكره العهود التي لم يجز ثلمها بعد فأعرض وأرسل إلى الأشرف بحلب يستنجده فسار وعبر الفرات إلى حران‏.‏ وكان مظفر الدين صاحب إربل يراسل الملوك بالأطراف ويغريهم بالأشرف ويخوفهم غائلته‏.‏ ولما كان بين كيكاوس بن كنخسرو صاحب الروم من الفتنة ما نذكره في أخباره وسار كيكاوس إلى حلب دعا مظفر الدين الملوك بناحيته إلى وفاق كيكاوس مثل صاحب كيفا وآمد وصاحب ماردين فأطاعوه وخطبوا له في أعمالهم‏.‏ ومات كيكاوس وفي نفس الأشرف منه ومن مظفر الدين ما في نفسه‏.‏ ولما سار الأشرف إلى حران لمظاهرة لؤلؤ وأرسل مظفر الدين جماعة من أمرائه مثل أحمد بن علي المشطوب وعز الدين محمد بن بدر الحميدي وغيرهما واستمالهم ففارقوا الأشرف ونازلوا دبيس تحت ماردين ليجتمعوا مع ملوك الأطراف لمدافعة الأشرف‏.‏ واستمال الأشرف صاحب آمد وأعطاه مدينة حالى وجبل حودي ووعده بداراً إذا ملكها فأجاب وفارقهم إليه‏.‏ واضطر آخرون منهم إلى طاعته فانحل أمرهم‏.‏ وانفرد ابن المشطوب بمشاقة الأشرف فقصد إربل ومر بنصيبين فقاتله شيخ بها فانهزم إلى سنجار فأسره صاحبها‏.‏ وأطلقه فجمع المفسدين وقصد البقعا من أعمال الموصل فاكتسح نواحيها وعاد‏.‏ ثم سار من سنجار ثانية إلى الموصل وأرصد له لؤلؤ عسكراً فاعترضوه فهزمه واجتاز بتل أعفر من أعمال سنجار فأقاموا عليها وبعثوا إلى لؤلؤ فسار وحاصرها وملكها في ربيع سنة سبع عشرة وستمائة وأسر ابن المشطوب وجاء به إلى الموصل‏.‏ ثم بعث به إلى الأشرف فحبسه بحران سنين وهلك في محبسه‏.‏ ولما أطاع صاحب آمد الأشرف رحل من حران إلى ماردين ونزل دبيس وحاصر ماردين ومعه صاحب آمد‏.‏ وترددت الرسل بينه وبين صاحب ماردين على أن يرد عليه رأس العين‏.‏ وكان الأشرف قد أقطعها له على أن يحمل إليه ثلاثين ألف دينار وأن يعطي لصاحب آمد الورزني بلد وانعقد الصلح بينهما وارتحل الأشرف من دبيس إلى نصيبين يريد الموصل فلقيه رسل صاحب سنجار يطلب من يتسلمها منه على أن يعوضه الأشرف منها بالرقة بما أدركه من الجوف عند استيلاء لؤلؤ على تل أعفر ونفرة أهل دولته عنه لقتله أخاه كما ذكرناه‏.‏ فأجابه الأشرف وأعطاه الرقة وملك سنجار في جمادى سنة سبع عشرة وستمائة ورحل عنها بأهله وعشيرته وانقراض أمر بني زنكي منها بعد أربع وتسعين سنة والبقاء لله وحده‏.‏ ولما ملك الأشرف سنجار سار إلى الموصل ووافاه بها رسل الخليفة الناظر ومظفر الدين صاحب إربل في الصلح ورد القلاع المأخوذة من إيالة الموصل على صاحبها لؤلؤ ما عدا العمادية فتبقى بيد زنكي‏.‏ وتردد الحديث في ذلك شهرين ولم يتم فرحل الأشرف بقصد إربل حتى قارب نهر الزاب‏.‏ وكان العسكر قد ضجروا سوء صاحب آمد مع مظفر الدين فأشار بإجابته إلى ما سأل ووافق على ذلك أصحاب الأشرف فانعقد الصلح وساق زنكي إلى الأشرف رهينة على ذلك‏.‏ وسلمت قلعة العقر وشوش لنواب الأشرف وهما لزنكي رهناً أيضاً‏.‏ وعاد الأشرف إلى سنجار في رمضان سنة سبع عشرة‏.‏ وبعثوا إلى القلاع فلم يسلمها جندها وامتنعوا بها‏.‏ واستجار عماد الدين زنكي بشهاب ابن العادل فاستعطف له أخاه الأشرف فأطلقه ورد عليه قلعتي العقر وشوش‏.‏ وصرف نوابه عنهما‏.‏ وسمع لؤلؤ الأشرف يميل إلى قلعة تل أعفر وأنها لم تزل لسنجار قديماً فبعث إليه بتسليمها والله تعالى أعلم‏.‏

 رجوع قلاع الهكارية والزوزان إلى طاعة صاحب الموصل

لما رأى زنكي أنه ملك قلاع الهكارية والزوزان وساوة فلم يروا عنده ما ظنوه من حسن السيرة كما يفعله لؤلؤ وطلبوه في الإقطاع فأجابهم‏.‏ واستأذن الأشرف فلم يأذن له وجاء زنكي من عند الأشرف فحاصر العمادية ولم يبلغ منها غرضاً فأعادوا مراسلة لؤلؤ فاستأذن الأشرف وأعطاه قلعة جديدة ونصيبين وولاية ما بين النهرين وأذن له في تملك القلاع وأرسل نوابه إليها ووفى لهم بما عاهدهم عليه‏.‏ وتبعهم بقية القلاع من أعمال الموصل فدخلوا كلهم في طاعة لؤلؤ وانتظم له ملكها والله تعالى أعلم‏.‏

  استيلاء صاحب الموصل على قلعة سوس

كانت قلعة سوس وقلعة العقر متجاورتين على اثني عشر فرسخاً من الموصل وكانتا لعماد الدين زنكي بن نور الدين أرسلان شاه بوصية أبيه كما مر‏.‏ وملك معهما قلاع الهكارية والزوزان ورجعت إلى الموصل وسار هو سنة تسعة عشر إلى أزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان من بقية السلجوقية فسار معه وأقطع له الاقطاعات وأقام عنده فسار لؤلؤ من الموصل إلى قلعة سوس فحاصرها وضيق عليها‏.‏ وامتنعت عليه فجمر العساكر لحصارها وعاد إلى الموصل‏.‏ ثم اشتد الحصار بأهلها وانقطعت عنهم الأسباب فاستأمنوا إلى لؤلؤ ونزلوا له عنها على شروط اشترطوها وقبلها وبعث نوابه عليها والله تعالى أعلم‏.‏

 حصار مظفر الدين الموصل

كان الأشرف بن العادل بن أيوب قد استولى على الموصل ودخل لؤلؤ في طاعته واستولى على خلاط وسائر أرمينية وأقطعها أخاه شهاب الدين غازي ثم جعله ولي عهده في سائر أعماله‏.‏ ثم نشأت الفتنة بينهما فاستظهر غازي بأخيه المعظم صاحب دمشق وبمظهر الدين كوكبري‏.‏ وتداعوا لحصار الموصل فجمع أخوهما الكامل عساكره وسار إلى خلاط فحاصرها بعد أن بعث إلى المعظم صاحب دمشق وتهدده فأقصر عن مظاهرة أخيه‏.‏ واستنجد غازي مظفر الدين كوكبري صاحب إربل فسار إلى الموصل وحاصرها ليأخذ بحجزة الأشرف عن خلاط‏.‏ ونهض المعظم صاحب دمشق لإنجاد أخيه غازي وكان لؤلؤ صاحب الموصل قد استعد للحصار فأقام عليها مظفر الدين عشراً‏.‏ ثم رحل منتصف إحدى وعشرين لامتناعها عليه ولقيه الخبر بأن الأشرف قد ملك خلاط من يد أخيه فندم على ما كان منه‏.‏ انتقاض أهل العمادية على لؤلؤ ثم استيلاؤه عليها قد تقدم لنا انتقاض أهل قلعة العمادية من أعمال الموصل سنة خمس عشرة ورجوعه إلى عماد الدين زنكي ثم عودهم إلى طاعة لؤلؤ فأقاموا على ذلك مدة‏.‏ ثم عادوا إلى ديدنهم من التمريض في الطاعة وتجنوا على لؤلؤ بعزل نوابه فعزلهم مرة بعد أخرى‏.‏ ثم استبد بها أولاد خواجا إبراهيم وأخوه فيمن تبعهم وأخرجوا من خالفهم وأظهروا العصيان على لؤلؤ فسار إليهم سنة اثنتين وعشرين وحاصرهم وقطع الميرة عنهم‏.‏ وبعث عسكراً إلى قلعة هزوران وقد كانوا اتبعوا أهل العمادية في العصيان فحاصرهم حتى استأمنوا وملكها‏.‏ ثم جهز العساكر إلى العمادية مع نائبه أمين الدين وعاد إلى الموصل واستمر الحصار إلى ذي القعدة من السنة‏.‏ ثم راسلوا أمين الدين في الصلح على مال وأقطاع وعوض عن القلعة وأجاب لؤلؤ إلى ذلك‏.‏ وكان أمين الدين قد وليها قبل ذلك فكان له فيها بطانة مستمدون على عهده ومكاتبته وسخط كثير من أهل البلد فعل أولاد خواجا إبراهيم واستئثارهم بالصلح دونهم فوجد أولئك البطانة سبيلاً إلى التسلط عليهم ودسوا لأمين الدين أن يبيت البلد ويصالحها فصالحهم فوثبوا بأولاد خواجا ونادوا بشعار لؤلؤ فصعد العسكر القلعة وملكها أمين الدين وبعث بالخبر إلى لؤلؤ قبل أن ينعقد اليمين مع وفد أولاد خواجا‏.‏ والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق‏.‏

 مسير مظفر الدين صاحب إربل إلى أعمال الموصل وعوده منها

كان جلال الدين شكري بن خوارزم شاه قد غلبه التتر أول خروجهم سنة سبع عشرة وستمائة على خوارزم وخراسان وغزنة وفر أمامهم إلى الهند ثم رجع عنها سنة اثنتين وعشرين واستولى على العراق ثم على أذربيجان وجاور الأشرف بن العادل في ولايته بخلاط والجزيرة وحدثت بينهما الفتنة‏.‏ وراسله أعيان الأشرف في الاغراء به مثل مظفر الدين صاحب إربل ومسعود صاحب آمد وأخيه المعظم صاحب دمشق‏.‏ اتفقوا على ذلك وسار جلال الدين إلى خلاط وسار مظفر الدين إلى الموصل وانتهى إلى الزاب ينتظر الخبر عن جلال الدين وسار المعظم صاحب دمشق إلى حمص وحماة‏.‏ وبعث لؤلؤ من الموصل يستنجد الأشرف فسار إلى حران ثم إلى دبيس فاكتسح أعمال ماردين‏.‏ وكان جلال الدين قد بلغه انتقاض نائبه بكرمان فأغذ السير إليه وترك خلاط بعد أن عاث في أعمالها وفت ذلك في أعضاد الآخرين وعظمت سطوة الأشرف بهم‏.‏ وبعث إليه أخوه المعظم وقد نازل حمص وحماة يتوعده بمحاصرتهما ومحاصرة مظفر الدين الموصل فرجع إلى ماردين ورجع الآخران عن حمص وحماة والموصل ولحق كل ببلده والله تعالى أعلم‏.‏

 مسير التتر في بلاد الموصل وإربل

ولما أوقع بجلال الدين خوارزم شاه على آمد سنة ثمان وعشرين وقتلوه ولم يبق لهم مدافع من الملوك ولا مانع انساحوا في البلاد طولاً وعرضاً ودخلوا ديار بكر واكتسحوا واد آمد وأرزن وميافارقين وحاصروا وملكوها بالأمان‏.‏ ثم استباحوها وساروا إلى ماردين فعاثوا في نواحيها‏.‏ ثم دخلوا الجزيرة واكتسحوا أعمال نصيبين‏.‏ ثم مروا إلى سنجار فنهبوها ودخلوا الخابور واستباحوه‏.‏ وسارت طائفة منهم إلى الموصل فاستباحوا مالها ثم أعمال إربل وأفحشوا فيها‏.‏ وبرز مظفر الدين في عساكره واستمد عساكر موصل فبعث بها لؤلؤ‏!‏ إليه‏.‏ ثم عاد التتر عنهم إلى أذربيجان فعاد كل إلى بلاده والله أعلم‏.‏ ثم توفي مظفر الدين كوكبري بن زين الدين كجك صاحب إربل سنة تسع وعشرين لأربع وأربعين سنة من ولايته عليها أيام صلاح الدين بعد أخيه يوسف ولم يكن له ولد فأوصى بإربل للخليفة المستنصر فبعث إليها نوابه واستولى عليها وصارت من أعماله والله تعالى أعلم‏.‏ بقية أخبار لؤلؤ صاحب الموصل كان عسكر خوارزم شاه بعد مهلكه سنة ثمان وعشرين على آمد لحقوا بصاحب الروم كيقباد فاستنجدهم وهلك سنة أربع وثلاثين وستمائة وولي ابنه كنخسرو فقبض على أميرهم ومر الباقون وانتبذوا بأطراف البلاد‏.‏ وكان الصالح نجم الدين أيوب في حران وكيفا وآمد نائباً عن أبيه الملك العادل فرأى المصلحة في استضافتهم إليه قاستمالهم واستخدمهم بعد أن أذن أبوه له في ذلك‏.‏ فلما مات أبوه سنة خمس انتقضوا ولحقوا بالموصل واشتمل عليهم لؤلؤ وسار معهم فحاصر الصالح بسنجار إلى الخوارزمية واستمالهم فرجعوا إلى طاعته على أن يعطيهم حران والرها ينزلون بها فأعطاهما إياهم وملكوهما ثم ملكوا نصيبين من أعمال لؤلؤ وبنو أيوب يومئذ متفرقون على كراسي الشام وبينهم من الأنفة والفرقة ما نتلو عليك قصصه في دولتهم‏.‏ ثم استقر ملك سنجار للجواد يونس منهم وهو ابن مودود بن العادل أخذها من الصالح نجم الدين أيوب عوضاً عن دمشق واستولى لؤلؤ على سنجار من يده سنة سبع وثلاثين‏.‏ ثم حدثت بين صاحب حلب وبين الخوارزمية فتنة ولجأوا يومئذ لصفيتهم خاتون بنت العادل فبعثت العساكر إليهم مع المعظم بوران شاه بن صلاح الدين فهزموا عساكره وأسروا ابن أخيه الأفضل ودخلوا حلب واستباحوها‏.‏ ثم فتحوا منبج وعاثوا فيها وقطعوا الفرات من الرقة وهم يذهبون‏.‏ وتبعهم عسكر دمشق وحمص فهزموهم وأثخنوا فيهم ولحقوا ببلدهم حران فسارت إليهم عساكر حلب واستولوا على حران‏.‏ ولحق الخوارزمية بغانة وبادر لؤلؤ صاحب الموصل إلى نصيبين فملكها من أيديهم‏.‏ ثم توفيت صفية بنت العادل سنة أربعين في حلب وكانت ولايتها بعد وفاة أبيها العزيز محمد بن الظاهر غازي بن صلاح الدين فولي بعدها ابنه الناصر يوسف بن العزيز في كفالة مولاه حيال الخاتوني‏.‏ فلما كانت سنة ثمان وأربعين وستمائة وقع بين عسكره وبين بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل حرب انهزم فيها لؤلؤ وملك الناصر نصيبين وقرقيسيا ولحق لؤلؤ بحلب‏.‏ ثم زحف هلاكو ملك التتر إلى بغداد سنة وملكها وقتل الخليفة المستعصم واستلحم العلية من بغداد كما مر في أخبار الخلفاء‏.‏ ويأتي في أخبار التتر وتخطى منها إلى أذربيجان فبادر لؤلؤ ووصل إليه بأذربيجان وآتاه طاعته وعاد إلى الموصل والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده‏.‏

 وفاة صاحب الموصل وولاية ابنه الصالح

ثم توفي بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل سنة سبع وخمسين وستمائة وكان يلقب الملك الرحيم وملك بعده على الموصل ابنه الصالح إسماعيل وعلى سنجار ابنه المظفر علاء الدين علي وعلى جزيرة ابن عمر ابنه المجاهد إسحاق وأبقاهم هلاكو عليها مدة ثم أخذها منهم ولحقوا بمصر فنزلوا على الملك الظاهر بيبرس كما نذكر في أخباره‏.‏ وسار هلاكو إلى الشام فملكها وانقرضت دولة الأتابك زنكي وبنيه ومواليه من الشام والجزيرة أجمع كأن لم تكن والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين والبقاء لله تعالى وحده والله تعالى أعلم‏.‏

 دولة بني أيوب

الخبر عن دولة بني أيوب القائمين بالدولة العباسية وما كان لهم من الملك بمصر والشام واليمن والمغرب وأولية ذلك ومصائره هذه الدولة من فروع دولة بني زنكي كما تراه وجدهم هو أيوب بن شادي بن مروان بن علي بن عشرة بن الحسن بن علي بن أحمد بن علي عبد العزيز بن هدبة بن الحصين بن الحارث بن سنان بن عمر مرة بن عوف الحميري الدوسي هكذا نسبه بعض المؤرخين لدولتهم قال ابن الأثير إنهم من الأكراد الروادية‏.‏ وقال ابن خلكان شادي أبوهم من أعيان درين وكان صاحبه بها بهروز فأصابه خصي من بعض أمرائه وفر حياء من المثلة فلحق بدولة السلطان مسعود بن محمد بن ملك الشاه وتعلق بخدمة داية بنيه حتى إذا هلك الداية أقامه السلطان لبنيه مقامه فظهرت كفايته وعلا في الدولة محله فبعث عن شادي بن مروان صاحبه لما بينهما من الألفة وأكيد الصحبة فقدم عليه‏.‏ ثم ولي السلطان بهروز شحنة بغداد فسار إليها واستصحب شادي معه‏.‏ ثم أقطعه السلطان قلعة تكريت فولي عليها شادي فهلك وهو وال عليها‏.‏ وولى بهروز مكانه ابنه نجم الدين أيوب وهو أكبر من أسد الدين شيركوه فلم يزل والياً عليها‏.‏ ولما زحف عماد الدين زنكي صاحب الموصل لمظاهرة مسعود على الخليفة المسترشد سنة عشرين وخمسمائة وانهزم الأتابك وانكفأ راجعاً إلى الموصل ومر بتكريت قام نجم الدين بعلوفته وازواده وعقد له الجسور على دجلة وسهل له عبورها‏.‏ ثم إن شيركوه أصاب دماً في تكريت ولم يفده منه أخوه أيوب فعزله بهروز وأخرجهما من تكريت فلحقا بعماد الدين بالموصل فأحسن إليهما واقطعهما‏.‏ ثم ملك بعلبك سنة اثنتين وثلاثين جعله نائباً بها ولم يزل بها أيوب‏.‏ ولما مات عماد الدين زنكي سنة إحدى وأربعين زحف صاحب دمشق فخر الدين طغركين إلى بعلبك وحاصرها واستنزل أيوب منها على ما شرط لنفسه من الاقطاع وأقام معه بدمشق‏.‏ وبقي شيركوه مع نور الدين محمود بن زنكي وأقطعه حمص والرحبة لاستطلاعه وكفايته وجعله مقدم عساكره‏.‏ ولما صرف نظره إلى الاستيلاء على دمشق واعتزم على مداخلة أهلها وكان ذلك على يد شيركوه وبمكاتبته لأخيه أيوب وهو بدمشق فتم ذلك على أيديهما وبمحاولتهما وملكها سنة تسع وأربعين وخمسمائة‏.‏ وكانت دولة العلويين بمصر قد أخلقت جدتها وذهب استفحالها واستبد وزراؤها على خلفائها‏.‏ فلم يكن الخلفاء يملكون معهم‏.‏ وطمع الإفرنج في سواحلهم وأمصارهم لما نالهم من الهرم والوهن فمالوا عليهم وانتزعوا البلاد من أيديهم وكانوا يردون عليهم كرسي خلافتهم بالقاهرة ووضعوا عليهم الجزية وهم يتجرعون المصاب من ذلك ويتحملونه مع بقاء أمرهم‏.‏ كاد الأتابك زنكي وقومه السلجوقية من قبله أن يمحوا دعوتهم ويذهبوا بدولتهم‏.‏ وأقاموا من ذلك على مضض وقلق وجاء الله بدعوة العاضد آخرهم‏.‏ وتغلب عليه بعد الصالح بن رزيك شاور السعدي وقتل رزيك بن صالح سنة ثمان وخمسين واستبد على العاضد‏.‏ ثم نازعه الضرغام لتسعة أشهر من ولايته وغلبه وأخرجه من القاهرة فلحق بالشام ولحق بنور الدين صريخاً سنة تسع وخمسين وشرط له على نفسه ثلث الجباية بأعمال مصر على أن يبعث معه عسكراً يقيمون بها فأجابه إلى ذلك وبعث أسد الدين شيركوه في العساكر فقتل الضرغام ورد شاور إلى رتبته وآل أمرهم إلى محو الدولة العلوية وانتظام مصر وأعمالها في ملكة ابن أيوب بدعوة نور الدين محمود بن زنكي ويخطب للخلفاء العباسيين لما هلك نور الدين محمود واستبد صلاح الدين بأمره في مصر ثم غلب على بني نور الدين محمود وملك الشام من أيديهم وكثر عيث ابن عمهم مودود واستفحل ملكه وعظمت دولة بنيه من بعده إلى أن انقرضوا والبقاء لله وحده‏.‏

 مسير أسد الدين شيركوه إلى مصر و إعادة شاور إلى وزارته

لما اعتزم نور الدين محمود صاحب الشام على صريخ شاور وإرسال العساكر معه واختار لذلك أسد الدين شيركوه بن شادي وكان من أكبر أمرائه فاستدعاه من حمص وكان أميراً عليها وهي أقطاعه وجمع له العساكر وأزاح عللهم‏.‏ وفصل بهم شيركوه من دمشق في جمادى سنة تسع وخمسين‏.‏ وسار نور الدين بالعساكر إلى بلاد الإفرنج ليأخذ بحجزتهم عن اعتراضه أو صده لما كان بينهم وبين صاحب مصر من الألفة والتظاهر ولما وصل أسد الدين بلبيس لقيه هنالك ناصر الدين أخو الضرغام وقاتله فانهزم وعاد إلى القاهرة مهزوماً‏.‏ وخرج الضرغام منسلخ جمادى الأخيرة فقتل عند مشهد السيدة نفيسة رضي الله عنها وقتل أخوه وأعاد شاور إلى وزارته وتمكن فيها‏.‏ وصرف أسد الدين إلى بلده وأعرض عما كان بينهما فطالبه أسد الدين بالوفاء فلم يجب إليه فتغلب أسد الدين على بلبيس والبلاد الشرقية‏.‏ وبعث شاور إلى الإفرنج يستنجدهم ويعدهم فبادروا إلى إجابته وسار بهم ملكهم مرى لخوفهم أن يملك أسد الدين مصر واستعانوا بجمع من الإفرنج جاؤوا لزيارة القدس‏.‏ وسار نور الدين إليهم ليشغلهم فلم يثنهم ذلك وطمعوا لعزمهم ورزأ أسد الدين إلى بلبيس واجتمعت العساكر المصرية والإفرنج عليه وحاصروه ثلاثة أشهر وهو يغاديهم القتال ويراوحهم وامتنع عليهم وقصاراهم منع الأخبار عنه‏.‏ واستنفر نور الدين ملوك الجزيرة وديار بكر وقصر حارم‏.‏ وسار الإفرنج لمدافعته فهزمهم وأثخن فيهم‏.‏ وأسر صاحب إنطاكية وطرابلس وفتح حارم قريباً من حلب‏.‏ ثم سار إلى بانياس قريباً من دمشق ففتحها كما مر في أخبار نور الدين وبلغ الخبر بذلك إلى الإفرنج وهم محاصرون أسد الدين في بلبيس ففت في عزائمهم وطووا الخبر عنه وراسلوه في الصلح على أن يعود إلى الشام فصالحهم وعاد إلى الشام في ذي الحجة من السنة والله تعالى أعلم‏.‏